Socialize

سوريا بعد قرار الجامعة.. مأزق البحث عن مفاجأة

نبيه البرجي
الكل يسلط الضوء على «الثورة السورية». لم يصفها أحد بــ«ثورة الياسمين» ربما لأن دمشق التي تتعذب بصمت لم تصرخ بعد، وهي التي وضع وزير دفاع سابق هو العماد مصطفى طلاس موسوعة حول ورودها، كما أن أحداً لم يصفها بــ«ثورة الفستق» لأن حلب (وما أدراك ما الفستق الحلبي) تخشى أن تتعرض حاراتها ومصانعها للخراب.لا بأس أن نسعيد، في كل مرة، صورة ما لمحمد الماغوط الذي كتب «اذا كانت عندهم، في أميركا اللاتينية، جمهوريات الموز، فعندنا جمهوريات البطيخ». ما زلنا نتدحرج ويتدحرج معنا الدم!
سوريا! مأزق النظام، ومأزق المعارضة، مأزق واشنطن مثلما هي مأزق موسكو وأنقرة وطهران. لم تكن يوماً دولة أكثرية وأقليات. كانت طائفة أي سوري هي سوريا. الآن تغيّر المشهد. هكذا بشر ريتشارد بيرل يوم كان مستشاراً في البنتاغون، ولكن أليس هناك من يتهم آيات الله بأنهم هم من أضرموا النار في الماضي فاشتعل..؟
يقال لك في دمشق «من الظلم تشبيه بشار الأسد بحسني مبارك أو معمر القذافي أو علي عبدالله صالح. لقد جمع أركان الدولة، وقال لهم أنا جاهز للمغادرة فوراً اذا كان هذا يحل المشكلة، ولكن هل يحل مشكلة الدولة رحيل رئيس الدولة؟..».الارتماء في أحضان عبدالناصر
الذين يتحدثون في عاصمة الأمويين يعودون بك الى الخمسينات، يقولون لك «هل تعلم لماذا ارتمينا في أحضان عبدالناصر عام 1958؟».
وقبل أن تحاول التعليق يأتيك الجواب «لأن السوريين أثبتوا انهم لا يستطيعون ان يحكموا سوريا، نحن نخشى ان يتكرر المشهد الآن، وقد أصبحت الظروف الديموغرافية، والايديولوجية، أكثر تعقيدا، فهل نرتمي في أحضان رجب طيب أردوغان»؟
الذين يطرحون هذا السؤال يضيفون «ان الفارق هو أننا ذهبنا إلى القاهرة نتوسل الى عبدالناصر أن يقبل بالوحدة. لا ندري إذا كنا في تلك اللحظة قد دغدغنا أحاسيسه القومية، أم أحاسيسه الإمبراطورية، حتى أنك إذا عدت إلى كتابه «فلسفة الثورة»، فلا بد أن تحتار ما إذا كان يفكر مثل الفرعون، أو مثل محمد علي باشا..».ماذا عن إسرائيل؟
أما أردوغان «الذي يشعر بفائض القوة، والذي يحاول أن يجمع في شخصه السلطان محمد الفاتح، ومصطفى كمال أتاتورك، فهو شيء آخر. يعرف أنه إذا أمسك بسوريا، فقد أمسك بالشرق الأوسط». ماذا عن إسرائيل؟ «هذا ما نخاف منه، منذ القرن التاسع عشر والسيناريوهات ترسم للمنطقة في مكان آخر، لا ندري ما يدبّر لنا».
ويسألون «لماذا تموت القومية العربية، وتنبعث القومية الطورانية»؟ قبل ان يقولوا «إن الأشهر القليلة المقبلة، وربما الأسابيع القليلة المقبلة، ستكون هائلة بما تعنيه الكلمة. وصلتنا معلومات من القاهرة تقول إن القيادة المصرية ترفض إقامة منطقة عازلة بدخول الجيش التركي الى شريط حدودي يتراوح عمقه ما بين 10 و40 كيلو مترا، وربما أكثر، على أن يلاقيه الأردن بشريط آخر، هكذا تخف الوطأة السيكولوجية بوجود حالة عربية الى جانب الحالة التركية».البديل الجوي
لا بل انك تسمع أنه، في حال تعذر العملية البرية لأسباب تتعلق بتحفظات بعض الدول العربية، فهناك «بديل جوي»، ان تقوم طائرات عربية بالتحليق فوق الأراضي السورية، فمن شأن ذلك ان يثير الهلع لدى أهل النظام فيرحلون، أو على الأقل تزيد هذه الخطوة في تأجيج البركان الشعبي.
ماذا عن الطائرات التركية؟ يجيبون أنها قد تتدخل، وربما بدعم أطلسي، لكن هناك في أنقرة من يرى ان جامعة الدول العربية ينبغي ان تتخذ قرارات أكثر جرأة.
اعتراف في دمشق بأن النظام أُنهك، ولكن هل بلغ «خط اليأس»؟ البعض يتحدث عن «أوراق لم تستعمل بعد». ما هذه الأوراق؟ إذا دخل الأتراك الأراضي السورية، وأقاموا الشريط العازل الذي قد لا يستضيف فقط المجلس الوطني، بل و«الحكومة الحرة»، و«الجيش الحر» الذي يتم تزويده بأحدث الأسلحة لا سيما المضادة للدروع، فضلا عن الصواريخ والمدفعية الثقيلة، وناقلات الجند، فهل يكون الرد مثلا بأن تنهمر الصواريخ على اسطنبول؟سنجق حلب
لا، بطبيعة الحال، لكن أهل النظام يسألون ما إذا كان الأتراك، وتحت المظلة العربية، يريدون اسكندورنا آخر، فيقوم «سنجق حلب» مثلا، وان كان هناك معارضون يسألون «ألم يبادر بشار الأسد الى بيع الإسكندرون لأردوغان فقط لضمان بقائه»؟ وأحد هؤلاء المعارضين يستعيد وصف هنري كيسنجر للرئيس الراحل حافظ الأسد بأنه «رجل البقاء والإضافات القليلة»، ليصف الابن بـ«رجل البقاء والإساءات الكثيرة».
اللافت ان هناك معارضين يعترفون بان المعارضة لا تمتلك الامكانات اللازمة للحفاظ على وحدة سوريا، خصوصا في ظل الصراعات الاقليمية والدولية الراهنة، والتي تظهر كما لو ان الحرب الباردة عادت، تحديدا الى الشرق الاوسط. اذاً، لا بد من قوة خارجية، وهؤلاء المعارضون يسألون: لماذا لا تكون القوة عربية؟
وهم يعتبرون ان البوابة الاردنية مثالية لعملية من هذا القبيل، ثم ان «الثورة» بدأت في درعا التي لا تحتاج القوات العربية للوصول اليها اكثر من نصف ساعة، لتكرس العاصمة المؤقتة التي تطلق منها هذه القوات في كل الاتجاهات «خصوصا وان فرقا كاملة من الجيش تنتظر مثل هذه اللحظة الجدية، لتقف ضد النظام وتساعد على اجتثاثه».الروس صادقون
اهل النظام يسخرون من كل كلام يقال في هذا الشأن، وهم يعتبرون ان ردة الفعل داخل المؤسسة العسكرية على مقررات المجلس الوزاري العربي كانت «مدوية»، فكيف اذا ما حدث تدخل خارجي، وسواء كان عربيا ام تركيا ام اطلسيا؟
يقولون «ان الروس صادقون في الوقوف معنا وحتى النهاية». ولكن «هل تخوض ايران الحرب من اجلكم»؟ والجواب «لا، لا، بطبيعة الحال، غير اننا بحاجة الى كل يد صديقة، لانك كما ترى نتعرض لحصار من الواضح انه لا يستهدف النظام، بل سوريا نفسها، وهناك قناعة حتى لدى عدد من المعارضين بأن السيناريو يرمي الى تفتيت بلادهم. ولهذا يقفون بقوة في وجه التدخل».
ماذا عن العقوبات اذا ما تواصلت، او اذا ما تكثفت؟ «انت تعرف الشعب السوري جيدا. لقد خضع في احيان كثيرة للحصار، وفي كل مرة كان يتمكن من فكه، او التخفيف من وطأته او التكيف معه»، وان أقر المتحدث بأن العقوبات الراهنة تفوق اي عقوبات اخرى «اذا كانوا يريدون تجويعنا، فلن ندع المنطقة ترتاح لسنا ضعفاء، وهم يعلمون ذلك. حتى الآن مازلنا نتجاوب، ونحاول التوصل الى تسوية لــ«الازمة»، اما اذا بلغت الامور الخط الاحمر، فلن يبقى احد في امان».النظام أم سوريا؟
هل المقصود بــ«الخط الاحمر» النظام ام سوريا؟ والجواب «لم نعد طامعين في السلطة. قلنا هذا لاكثر من جهة عربية ودولية، لكننا لن نسلم بلادنا للأميركيين، أليس مضحكا ان يقول هؤلاء إنهم مع الثورات العربية، ولكن ماذا نفعل إذا كانوا يستخدمون بعض اخواننا العرب، لتسويق هذه المهزلة التي هي أكثر مأساوية من المأساة»!
ثمة حيرة في كل مكان، لكن الثابت أن ولوج النظام في اللعبة الدموية أدى الى حصول انشقاقات واسعة داخل المؤسسة الحزبية، وبالتأكيد داخل المؤسسة الشعبية، حتى وإن قال النظام إنه مضطر للقمع، وإلا فإن «الارهابيين» يضعون أيديهم على كل شيء في غضون يوم واحد على الأكثر..

مومياءات
معارضون يسخرون من كلمة «التسوية»: «تسوية مع من، وكيف»؟ ليضيفوا «ان جماعة النظام يدركون أن أي عملية إصلاحية حقيقية تقودهم الى حبل المشنقة، فأي إصلاح يبدأ من قيام مؤسسات تمثل الشعب، وبالطبع من خلال الانتخاب، هل تعتقد، والحال هذه، أنه يبقى أحد في الواجهة من هذه المومياءات»؟
يسمون «المومياءات» واحدا واحدا، وبسخرية «شامية» حادة، ولكن أليسوا خائفين مما بعد سقوط النظام؟
«لا لسنا خائفين، الاخوان العرب يدركون حساسية الأوضاع الاقتصادية، بعدما نهبت مواردنا على مدى عقود، والاخوان في المجلس الوطني تلقوا وعودا بـ«مشروع مارشال عربي»، فكما تعلم ان اعادة هيكلة الاقتصاد، وتغطية حاجات المواطنين الذين تعامل معهم النظام بأسلوب القرون الوسطى، تتطلب الكثير والكثير، والا فالصدمة الكبرى..».
ونسأل «سمعت أحدهم يقول إذا كان العراقيون يستطيعون ان يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وهم أمام الاختبار بعد نهاية العام، يستطيع السوريون ان يحكموا أنفسهم»، بكثير من الاستغراب والثقة بالنفس يجيب «ألم يقسم الجنرال غورو سوريا إلى 3 أو 4 دول؟ فهل قبلنا؟ وهل هناك من ساعدنا في ثورتنا على الاستعمال الفرنسي، وفي اعادة توحيد بلادنا».

الروح السورية
لا يقتنع بأن الظروف تغيرت «لأن سوريا لاتزال سوريا، والسوريون مازالوا السوريين، فلا تصدق ما يرددونه حول التقسيم، لأن «الروح السورية» واحدة..
من الصعب الأخذ بهذه اللهجة الرومانسية، على الأرض تحدث أشياء خطيرة تنبئ بأن سوريا مهددة بالتصدع، ومن أشهر، كتبت في القبس ان الحل ب‍‍ـ «طائف سوري». الآن يحكى في هذا الاتجاه، لأن ثمة من اكتشف ان سوريا التي كانت بعيدة عن منطق الطوائف (العلويون شكلوا في العام 1949 غالبية الجنود في الجيش السوري، مع عدد كبير من الضباط)، كما كانت بعيدة عن التصنيف الاثني (حسني الزعيم وفوزي سلو ترأسا الدولة وهما كرديان، كما أن مفتي الجمهورية أحمد كفتارو كان كرديا). وللتذكير فإن فارس الخوري المسيحي أصبح رئيسا للوزراء، وشوكت شقير الدرزي رئيسا للأركان..

رفعت الأسد
الآن، اللعنة التي ظهرت في المجتمعات العربية تغلغلت ايضا في البنية السورية، وثمة من ينصح «وفروا عليكم الحرب الأهلية، أيها الرفاق، وخذوا وثيقة الطائف من اللبنانيين»، وان كان هناك من يتوقع ان تحدث مفاجأة داخل النظام، فها إن رفعت الأسد استعاد حيويته واتصالاته. ولكن ألا يوجد من يقول «اذا كان رفعت الاسد هو البديل، ولو كان البديل المؤقت، فعلى سوريا السلام».
هذا من دون ان نغفل الرأي الذي يقول «أمام هذا الكونسورتيوم العربي والدولي الذي يزحف بثبات، هل تتصور ان نظاما هرما ورثا ومنهكا يمكنه البقاء، أو يمكنه ان يلعب لعبة التقسيم»؟
ولا يسعك الا ان تضع يدك بأسى على خدك، وتنتظر حتى وان كان اهل النظام يقولون ان ثمة من يدفع العرب الى التهلكة، «فكلنا داخل تلك التيتانك التي تدعى الشرق الأوسط».
ليشيروا بمباهاة: الى «تماسك النظام»، ف‍ «هل شاهدت وزيرا، سفيرا، ضابطا كبيرا يعلن انشقاقه»؟
رد المعارضين ان الزجاج يبدو أحيانا متماسكا، ليضيفوا «تابع اليوميات السورية، ألا يبدو النظام في الزاوية؟ الى اين يهرب بيديه الملطختين»، ورغم ذلك هناك خشية من ان تطول الازمة وتطول حتى يتحول الجميع الى حطام، اذاً الطائف ايها السادة! هذا مادامت «اللبننة» تدق أبواب سوريا أو انها دخلت فعلا.

Share This Post

Posted by on 8:28 ص. Filed under أخبار الشرق الاوسط. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0. Both comments and pings are currently closed.

You must be logged in to post a comment Login