Socialize

محنة أطفال العراق… إهمال وفساد وحرمان مركب

يعاني أطفال العراق من الحرمان والنقص الكبير في الخدمات الصحية والتعليمية وسوء التغذية، نتيجة لتوالي الأزمات والحروب والصراعات الداخلية والفساد السياسي المستشري على نطاق واسع، والتي انعكست تأثيراتها السلبية على براعم العراق وحولتهم إلى فريسة سهلة للإمراض أو متسولون على قارعة الطرق، بينما عانى غيرهم من نقص التعليم والاستغلال والعمل ألقسري، في ظل الصمت المطبق من قبل الجهات الرسمية في العراق.

وبعد مرور عقود من الحكم الدكتاتوري وتطبيق الأفكار والبرامج المسيسة، والتي ختمت بعدم الاستقرار الذي شهده العراق بعد الغزو الأمريكي وزيادة ثقافة العنف المستوردة مع الثقافات الأخرى والتي أضرت كثيراً بثقافة الطفل الصحية، أصبحت الحاجة ملحة الى ثقافة جديدة تطوي صفحة الماضي وتعالج جروح الأيام وتبني ثقافة مناسبة لأطفال العراق.    

أسعار حليب الأطفال

إذ تركزت معاناة الأسر العراقية التي لديها أطفال رضع بتوفير حليب الأطفال بعد ان غابت فقرتها في مفردات الحصة التموينية قبل أكثر من عام، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في ارتفاع سعرها في الأسواق المحلية وعدم تمكن اغلب الأسر من اقتنائها ما يعرض الأطفال إلى أخطار كثيرة تؤثر بشكل سلبي على تكوين عظامهم وتوفير المناعة الذاتية مع سوء التغذية، وتجتهد والدة الطفل الرضيع حسين لتوفير حليبه الطبي، في ظل الحالة المعيشية المتوسطة التي لا تسمح بشراء حليب الأطفال له، فوالده يعمل حارسا لأحدى البنايات وراتبه الشهري لا يتعدى 150 ألف دينار”125 دولار”، من جهتها منعت أميرة صبيح “ربة بيت” أطفالها الصغار من شرب الحليب بسبب غلاء ثمنه، مشيرة الى ان كيس الحليب “500 جرام” يكفيهم لثلاث أيام فقط ولعدم تمكنها من شرائه قررت الاستغناء عنه، مناشدة الجهات المعنية توفيره بأسعار مناسبة تستطيع الأسرة العراقية ان تشتريه دون ان يثقل كاهله، وترى سعاد داود”موظفة” أن” الأسرة التي لديها أطفال وإمكانياتها المالية محدودة، لن تستطع تحمل ارتفاع الأسعار، اذ أن كيس الحليب يبلغ ثمنه 3500 دينار”3 دولارات” وتحتاج الأسرة منه على الأقل ثمانية أكياس شهريا، ناهيك عن باقي الاحتياجات الأخرى. بحسب وكالة الانباء الالمانية.

من جهة أخرى، أكدت ناهدة راضي التي تعمل في روضة للأطفال، أن” الأمهات يحضرن مع أطفالهن قنان لشرب الحليب مخلوطة بقطع البسكويت لتكون وجبة غذائية كافية بإضافة كمية من الماء إلى الحليب”، ويقول وليد نوري وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية أن” ثمن علبة حليب الأطفال بمختلف أنواعه يتراوح بين 3 ­ 6 دولارات ، علماً بأن الطفل الرضيع يحتاج شهريا الىً ما لا يقل عن ثماني علب من الحليب، لافتاً إلى ان هذه الأنواع من الحليب كانت توزع مع مواد الحصة التموينية سابقا المدعومة من قبل الدولة إلا أننا لم نستلمها مع باقي المواد منذ عام ونصف”، وتساءل نوري “لماذا تم حجب توزيع حليب الأطفال عن الحصة التموينية والتي تعتمد عليها غالبية العوائل محدودة الدخل؟”، ويرى حسنين مرتضى، اخصائي كيميائي، أن الحليب لا يتناوله الأطفال الصغار فقط، بل حتى الشباب والنساء والمسنين، والمرضى، فهو مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنه، وأضاف “يعتبر الحليب أفضل مصدر للكالسيوم في النظام الغذائي من حيث الجودة والقيمة البيولوجية للجسم، ويحتوي على الكربوهيدرات والدهون التي تعد كمصدر جيد لبعض الأحماض الأساسية للجسم، كما أنه يحتوي على جميع الفيتامينات تقريبا وعلى الأملاح المعدنية كالفوسفات والبوتاسيوم والصوديوم”.

وأشار الى أن “عدم تناوله، وتحديدا من قبل الأطفال وصغار السن، يؤدي إلى حدوث الكثير من الاضطرابات الصحية، إضافة إلى الإصابة بالضعف العام وسوء التغذية”، وارتفعت معدلات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة بسبب سوء التغذية وتؤكد منتهى سعيد”طبيبة أطفال” أن “سوء التغذية لدى الأطفال في العراق ارتفع بشكل كبير، ويرجع ذلك إلى سوء استخدام الموارد المتاحة، ناهيك عن الغلاء المعيشي وقلة فرص العمل والبطالة وفقدان المعيل التي خفضت بشكل كبير المعدلات الشرائية لدى الأسرة العراقية وبالتالي قل استهلاكها لمادة البروتين وكذلك للحليب ونقص الحديد، الأمر الذي يؤثر بدوره على نقص وزن الطفل عند ولادته فيولد وهو بحاجة إلى حليب طبي يستخدم لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد والإسهال المزمن نتيجة شرب مياه غير صحية”، وأشارت الى أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية لا يموتون عادة من الجوع، بل من الإسهال الذي يصابون به، ودأبت الحكومة العراقية منذ فرض الحصار الاقتصادي على العراق عام 1990 على توزيع المواد الغذائية الاساسية، وبينها حليب الاطفال باسعار مدعومة ومنخفضة جدا الا ان توزيعها شهد تعثرا وتراجعا منذ عام 2003 وبلغت ذروتها العام الحالي حيث شهدت العاصمة العراقية بغداد ومعظم المدن العراقية مظاهرات تطالب بتوزيع المواد الغذائية وتحسينها من ضمن مطالب عديدة.

جراحة القلب لرضع العراق

فيما يسعى اطباء عراقيون الى اكتساب الخبرة اللازمة لاجراء عمليات جراحية للقلب خاصة بالاطفال الرضع، الا ان هذا الامر لن يكون ممكنا قبل ثلاث سنوات في بلد يسجل ارقاما عالية من العيوب الخلقية سببها الاساسي الزواج بين الاقرباء، ويقول مدير مستشفى ابن بيطار لجراحة القلب في بغداد الطبيب حسين علي الحلي “حتى الآن لم نتمكن من اجراء اي جراحة للقلب لدى الاطفال الرضع”، ويضيف “نتلقى يوميا ثمانين حالة لاطفال يعانون من مشاكل مختلفة في القلب تتعلق بعيوب خلقية لا نستطيع معالجته، ونحتاج الى ثلاث سنوات لاكتساب الخبرة اللازمة لاجراء جراحات مماثلة عادة ما تكون معقدة”، ووقعت ادارة المستشفى الممول حكوميا مؤخراً اتفاق تعاون مع ادارة مستشفى اوتيل ديو في بيروت يقضي بان يتلقى اطباء المستشفى العراقي تدريبات على اجراء جراحات لقلوب الاطفال الرضع، وذلك بالتزامن مع اتفاقات موقعة مع جمعية “هارت بيت” الخيرية اللبنانية ومنظمة “سلسلة الامل” الدولية ومقرها فرنس، وغادر فريق طبي عراقي مؤلف من طبيبين جراحين وخمسة عاملين آخرين في مستشفى ابن بيطار الى بيروت في الاول من ايلول/سبتمبر للمشاركة في دورة تدريبية تستمر لاربعة اشهر، تليها دورة اخرى مع فريق آخر. بحسب فرانس برس.

ويرى نائب رئيس الشؤون الطبية في جمعية “هارت بيت” الطبيب الجراح عصام الراسي ان “مستوى الجراحة للبالغين جيد في العراق، الا انه متوسط حين يتعلق بجراحة الاطفال”، ويوضح انه “كلما كان الطفل اصغر عمرا واقل وزنا، كلما احتاج الى عناية اكبر من قبل وحدات متخصصة والى انظمة دعم حياة اكثر تطورا”، ويتابع الراسي ان “اعداد الوفيات الناتجة عن عيوب خلقية مرتفعة في العراق لان هناك نسبة عالية من الزواج بين الاقرباء”، في اشارة الى اعراف الزواج في العراق التي تشجع على الارتباط بين افراد العائلة الواحدة، ويقول الطبيب فيكتور جبارة وهو احد اعضاء جمعية “هارت بيت” ان “الاطفال الذين تصعب معالجتهم في بغداد كون حالتهم معقدة” سيرسلون الى مستشفى اوتيل ديو في بيروت بموجب الاتفاق الموقع، وتعاني الغالبية العظمى من الاطفال في العراق الذي شهد عدة حروب خلال العقود الاخيرة، بينها الاجتياح الاميركي عام 2003، من نقص في الخدمات بشكل عام، وبينها الحاجة لمستلزمات التعليم والخدمات الصحية ومستلزمات الحياة الاخرى، وقتل 872 طفلا عراقيا واصيب اكثر من 3200 بجروح جراء اعمال عنف وقعت في العراق بين عام 2008 و2010، وفقا لما اعلنه صندوق الامم المتحدة للطفولة “يونيسف” الاربعاء في تقرير استند فيه الى ارقام رسمية.

واعلن الصندوق عن تحديد تاريخ 13 تموز/يوليو موعدا لاحياء “يوم الطفل العراقي”، وذلك في ذكرى مقتل 32 طفلا بانفجار سيارة مفخخة استهدف احتفالية عام 2005 في بغداد كان يوزع خلالها جنود اميركيون الحلوى ولعب الاطفال، وتمثل حصيلة الاطفال القتلى خلال الاعوام الثلاثة الماضية حوالى 8،1 بالمئة من مجموع الضحايا الذين قتلوا في ثلاث سنوات، وضمن خطته لزيادة الخدمات الصحية للاطفال، يسعى مستشفى ابن بيطار الى استكمال انشاء جناح مخصص لطب الاطفال يحتوي على 55 سرير واربع غرف عمليات وغرفة واحدة للعناية الفائقة، وذلك بحلول عام 2012، وبالنسبة الى المستشفى الذي انشأته عام 1979 شركة ايرلندية واغلق بعد اجتياح الكويت عام 1990، فان هذا الجناح الجديد يمثل فصلا جديدا من مغامرة تتواصل منذ عقود، فقد تعرض المستشفى الى اضرار كبيرة خلال عملية “عاصفة الصحراء” التي طردت خلالها قوات تحالف دولي القوات العراقية من الكويت، وقد اعيد فتح المستشفى في 1992، انما تحت اسم مستشفى صدام للقلب، وعاد المستشفى الى الواجهة خلال الاجتياح الاميركي عام 2003 حين تعرض للنهب والتدمير، الى درجة دفعت بعثة طبية اميركية للجزم في نيسان/ابريل من ذلك العام بان المستشفى لا يمكن اصلاحه.

الا ان الاميركيين تجاهلوا في تقريرهم اصرار اطباء المستشفى وتمسكهم بمجمعهم الطبي، حيث عملوا على اعادته الى الحياة من خلال زيارة اسواق البضائع المسروقة بحثا عن الادوات التي جرى نهبها من دارهم الطبية، ويتذكر الحلي يوم اخبره الاميركيون ان المستشفى سيتم شطبه من السجلات، الا انه رد عليهم بالقول ان “تقييمكم خاطئ، انتم لا تعرفوننا، سنعيد بناءه”، ويستقبل مستشفى ابن بيطار حاليا حوالى 80 الف حالة سنويا من كافة انحاء البلاد.

أطفال العراق يعانون الحرمان

الى ذلك حذرت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) من خطورة الأوضاع التي يعيشها أطفال العراق، وقالت إن 15 مليون طفل عراقي تأثروا بشكل مباشر بأعمال العنف أو يعانون الحرمان من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أقرانهم في الدول الأخرى، وذكرت المنظمة في تقرير لها أن أكثر من 360 ألف طفل يعانون من أمراض نفسية، وأن 50% من طلبة المدارس الابتدائية لا يرتادون مدارسهم، و40% منهم فقط يحصلون على مياه شرب نظيفة، وقال إنه يتم استخدام الأطفال في العمل من أجل الحصول على مورد رزق لإعالة أسرهم، كما يتم بيعهم في دول الجوار ودول أخرى، وأقر مستشار الصحة النفسية في وزارة الصحة العراقية بأن هناك جوانب عديدة لحرمان أطفال العراق، فهناك حرمان من الجانب الاقتصادي وقصور في الجانب التربوي وكذلك في الجانب الإجتماعي، وحرمان من الجانب التعليمي بسبب انعدام الدراسة لكثير من الأطفال، وعن كيفية التغلب على هذه المعضلة قال القريشي إن ذلك مسؤولية المجتمع ككل وليس الدولة وحدها وصولاً إلى منظمات المجتمع المدني والعائلة، وذكر أن المشكلة التي يعاني منها أطفال العراق متعددة الأطراف والأبعاد، فمن توفير الأمن والوضع المعيشي الجيد والبيئة الصحية وغيرها، كل ذلك مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وعن دقة الأرقام التي أوردتها يونيسيف قال القريشي “ليس لدينا إحصائيات رسمية بهذا الخصوص، ويعتقد أن الرقم مبالغ فيه بعض الشيء”.

أما الخبيرة التربوية سهام النقيب فقالت للجزيرة نت إنه منذ الغزو الأميركي عام 2003، وقبله الحصار الظالم منذ عام 1990، تشكلت لدى أطفال العراق صور مرعبة ومعتقدات مشوهة وغير سوية تنعكس بمجملها على صحتهم النفسية، وأضافت أن واقع الحال يشير إلى أن أطفال العراق مهملون، ولا يجدون الرعاية والاهتمام من المسؤولين في الحكومة، وكذلك من المجتمع والأحزاب والمنظمات وميسوري الحال ورجال الدين، فجميعهم مسؤولون عن ما يعانيه الطفل العراقي، وذكًرت النقيب بأن الدستور العراقي نص على أن “تكفل الدولة حماية الطفولة وتؤمن لهم مقومات العيش بحياة كريمة”، وتتهم النقيب الدولة بأنها لم تعمل حتى على تشريع قوانين تحرّم استغلال الأطفال في التسول أو بيعهم أو انتهاك أعراضهم، بل هي لم تعمل حتى الآن على تفعيل قانون التعليم الإلزامي، وعن تأثيرات الحرمان على سلوكيات الأطفال ومستقبلهم قال الدكتور ريكان إبراهيم (الخبير في التربية الاجتماعية والنفسية) إن الحرمان في جوانبه الكثيرة وأنواعه المختلفة سواء كان حرمانا من الأبوة أو الأمومة، أو من الغذاء أو من التعليم ومن الحنان، يؤدي إلى نقص واضح في سلوك الإنسان لاحق، أما الناشطة في حقوق المرأة والطفل أسماء الحيدري فقالت، إن جميع أطفال العراق الآن لديهم حالات من الخوف والرعب والانهيارات النفسية، نتيجة الوضع الأمني المتدهور والانفجارات والقتل، كذلك حرمانهم من الدراسة ومن أبسط وسائل العيش اليومية ونقص الخدمات من الكهرباء والماء الصالح للشرب، وطالبت الحيدري المنظمات الدولية المهتمة بشؤون الطفل بممارسة ضغوطها على الحكومة والبرلمان العراقي لإيجاد حلول لأوضاع الأطفال التي وصفتها بالمزرية.

فضيحة فساد ضحيتها الأطفال

من جهتها كشفت صحيفة ذي غارديان البريطانية أن مسؤولين في الحكومة العراقية تلقوا رشى من شركة بريطانية لكي تتمكن من الاستمرار في بيع مشتقات نفطية سامة تتسبب بضرر بالغ بصحة الأطفال، وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس التنفيذي السابق لشركة مواد كيماوية بريطانية يواجه الآن احتمال تسليمه إلى الولايات المتحدة بعد أن اعترفت شركته بأنها دفعت رشى بملايين الدولارات لمسؤولين للسماح لها بمواصلة بيع مشتقات وقود سامة في العراق، وقد قام كل من بول جينينغز الذي كان حتى العام الماضي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة أوكتيل للأعمال الكيماوية، وسلفه دنيس كريسون، بتصدير أطنان من مادة رابع إيثيل الرصاص إلى العراق، وأوضحت الصحيفة أن هذه المادة محظور استخدامها في السيارات في الدول الغربية لما تسببه من تلف في أدمغة الأطفال، مشيرة إلى أن العراق يعتبر الدولة الوحيدة التي لا تزال تضيف مادة الرصاص إلى البترول، وأقرت الشركة مؤخرا أن مديري أوكتيل (التي غيَّرت اسمها منذ ذلك الحين إلى إنوسبيك) دفعوا ملايين الدولارات في شكل رشى إلى مسؤولين في العراق وإندونيسيا حتى يستمر استخدام مادة رابع إيثيل الرصاص في بلديهما رغم خطرها على صحة البشر، وقد سُلِّم وكيل الشركة اللبناني أسامة نعمان إلى الولايات المتحدة حيث وافق هذا الأسبوع على الإقرار بالذنب والتعاون مع المحققين الأميركيين.

ورغم أن وزارة العدل الأميركية تتولى النظر في معظم جوانب القضية، فإن مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة البريطاني يدَّعي أنها من اختصاصه.ومضت صحيفة ذي غارديان في الخبر الذي انفردت به، إلى القول إن كبار المسؤولين بوزارة النفط العراقية متهمون بأنهم ظلوا يتلقون رشى من سلطات الاحتلال الأميركي البريطاني حتى العام 2008، وأخبر نائب وزير النفط في العراق أحمد شمة الصحيفة بأنه سيحقق في تلك التهم، نافيا في الوقت نفسه المزاعم بأنه هو نفسه كان قد قضى عطلة مجانية في تايلند، وقال في هذا الصدد إنه لم يسافر قط إلى تايلند، لكنه أشار إلى أن وسيطا رهن الاعتقال حاليا في الولايات المتحدة ربما هو الذي تقاضى مبلغ الرحلة واستفاد منه لنفسه، وكان أطفال العراق أبرز ضحايا استخدام القوات الأميركية أسلحة محرمة خلال حرب عامي 1991 و2003 وما تلاها من معارك في العراق لا سيما معركة الفلوجة في نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

معاقون في طابور المنسيين

في سياق متصل لا يتوقّف العراقيون عن الحلم بمستقبل مضيء، والأمر نفسه يعتمل في صدور شريحة صغيرة وضعيفة للغاية، تتشبث ببقايا من الأمل، وتتحدى قدرها المكتوب بطفولة عفوية للغاية، ففي بلد مثل العراق الذي واجه العديد من الحروب والويلات، أنجب الوضع الصعب جيلاً من الأطفال المعاقين الذين يصطفون في طابور المنسيين، الأمل كان يملأ قلب الطفل المعاق سجاد حسين، وهو يتحدث عن أمنيته في أن يجد من يقدم له الرعاية اللازمة، فهو معاق ويتيم في الوقت نفسه، ولديه الكثير من الأحلام المستقبلية «لطفل مثله يعيش بنصف جسد»، ويضيف حسين «أحبُّ اللعب كثيراً وأتمنى أن أكون مع الأطفال الصغار الذين يهرولون خلف الكرة، وأعود فيما بعد لتحضير واجباتي المدرسية، وأمارس حياتي بشكل جميل»، وقبل أن يكمل حسين حديثه الطفوليّ حتى انسابت الدموع من وجهه البريء، وهمس قائل، «أنا خائف جداً، فإعاقتي تمنعني من الحلم، أما والدتي فهي امرأة مسكينة، تعاني هي الأخرى في حياتها، بعدما فقدنا معيلنا»، أما صديقته المفضّلة ورود سلمان فهي الأخرى طفلة صغيرة، تجهل مستقبلها المقبل، ولم تجد حتى الآن ما يكفيها من الرعاية والحنان، وتحدثت ببعض الكلمات البسيطة، قائلة «صحيح انني أعيش مع والديّ وأخوتي، إلا إن ذلك صعب جداً»، بسبب عدم الاهتمام واللامبالاة من قبل بعض الأسر العراقية بطفلهم المعاق، حيث يتم ترك الكثيرين من غير رعاية، حيث يتركون في المنزل دون أخذهم إلى المدرسة، وهو ما يزيد المعاناة، ويتحتم عليهم مواجهة أقدارهم لوحدهم، ومثلها أيضاً الطفلة زهراء جبار وهي من الموهوبات في الرسم إلا أنها مصابة بمرض «المنغوليا»، ولم تستطع التكلّم سوى أنها ابتسمت، وربما هي الأخرى لها أحلامها الخاصة، وكان على المعنيين سواء من الأسرة أو الدولة رعايتها ودفعها نحو الأمل.

ويبلغ عدد المعاقين، وخاصة من شريحة الأطفال بالعراق بحسب «شبكة اكانيوز» نسبةً كبيرة تصل مئات الآلاف من جراء الحروب والويلات التي حلت بالوطن، ناهيك عن عدم وجود برامج حكومية تكفل الرعاية الضرورية لهم، وتأمين الحياة الهادئة، قياساً بالدول الأخرى، وبالرغمِ من وجود مركزين لرعاية الأطفال المعاقين والمصابين بأمراض التوحّد والمتخلفين عقلياً، إلا أن الرعاية المقدمة لهم دون المستوى المطلوب، ولا تزال هذه الشريحة تفتقر إلى الصحة والتعليم، ناهيك عن الإهمال المجحف بحقهم من قبل عائلاتهم، التي يترك بعضها أطفالها المعاقين دون السؤال عنهم أومتابعة أحوالهم، وتؤكّد مسؤول شعبة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ثورة الأموي، أنّ محافظة كربلاء تعتبر صاحبة الحظ الأوفر في تقديم الرعاية اللازمة لشريحة المعاقين والمختلين عقلياً من الأطفال، ولكنهم بحاجة لدعم مادي ومعنوي من قبل الحكومة والعائلة لكي يمارسوا حياتهم الطبيعية، بينما يؤكد الدكتور عمار الجبوري مدير شعبة رعاية المعاقين أنّ «هناك عددا كبيرا من المعاقين، وخاصة الأطفال في المحافظة لا يتلقون الدعم الكافي والرعاية الصحية المناسبة، بسبب بعد أماكن سكناهم، والفقر المدقع الذي يعيشون فيه مع أسرهم، ويرى الباحث الاجتماعي طالب حسين أنّ «ما يتعرض له الأطفال المعاقون من تهميش هو جريمة بحق هذه الشريحة الضعيفة، ويجب أن تولي الجهات المعنية اهتماماً كبيراً بها لكي تأخذ حقها الطبيعي في هذه الحياة»، ولفتَ حسين إلى أننا «بحاجة إلى برامج اجتماعية وتعليمية لتأهيل الأطفال المعاقين وتقديم الخدمات الصحية لهم، فضلاً عن شملهم بالرعاية المادية المستمرة، وخصوصاً العاجزين كلياً منهم عن أداء أي وظيفة أو عمل ينفعهم».

وكان حديث المواطن أبو خضير مشدداً هو الآخر على ضرورة تقديم الرعاية اللازمة للأطفال المعاقين، مبيناً أنّه «عانى طويلاً من أجل الحصول على مرتب شهري لطفله المعاق والمصاب بالشلل في إحدى قدميه، إلا إن الرعاية الاجتماعية اعتبرته غير مشمول ولا تنطبق عليه المواصفات الكافية لـ (الإعاقة)»، ويضيف أبو خضير «إذا كانت جميع شرائح هذا الشعب المسكين مهمشة ومنسية دائماً من المسؤولين، فهل سيرفق أحدهم بأطفال معاقين؟.

التسول بين صفوف الأطفال

من جهة اخرى أطفال عراقيون يخرجون مواد من مكب للنفايات تدفع الظروف الاجتماعية السيئة في العراق المواطنين من أعمار مختلفة إلى التسول ليصبح ذلك أمرا منتشرا وخاصة بين الأطفال الذين يضطرون للتسول من أجل لقمة العيش، وتفاقمت هذه الظاهرة الخطيرة في الاونة الاخيرة، وتحولت الى مهنة يتفنن بها البعض من خلال جلب اطفال رضع او ذوي احتياجات خاصة للتأثير في عواطف المارة ودفعهم الى اعطاء المال، واعتبر البعض هذه الظاهرة السلبية نتيجة طبيعية لزيادة حالات الطلاق والتفكك الاسري وغياب المعيل وعزاها اخرون الى عدم اهتمام الحكومة بالشرائح الاجتماعية الفقيرة، وتحول التسول وبخاصة بين الاطفال من حالات فردية الى ممارسة تقف وراءها جهات تستغل الاطفال وتدفعهم الى التسول، وعلى الرغم من انتشار هذا الداء الخطير الا ان وزارتي التخطيط والعمل المعنيتان بحصر اعداد المتسولين رفضتا الادلاء بأي معلومات عن اعدادهم بذريعة وجود اوامر تنص على عدم التحدث الى وسائل الاعلام حول هذا الموضوع.

العاب الاطفال وثقافة العنف

على صعيد مختلف تتحول أحداث العنف الحقيقي التي تشهدها البلاد بين الحين والحين إلى واقع يرسمه الأطفال بلا أمال أو أحلام، وهي تقليد من نوع آخر لأحدث موضات العنف، فهم يشكلون مجاميع تتحارب فيما بينها في أسلحة بلاستيكية، فكل أحلامهم تختصر بقتل خصومهم من اقرأنهم وكلا على طريقته.، ويشعر هشام (7 سنوات) بفرح غامر عندما يقتل خصومه ببندقيته الوهمية، ويشعر بنشوة الانتصار ضد صديقه أو أخيه الذي أرداه قتيلاً، كل هذا السيناريو الافتراضي لهشام، يرسمه غالبية أطفالا العراق وخوصا ًقبيل أيام العطل والأعياد، ويقول احمد علي وهو والد هشام لوكالة كردستان للأنباء(آكانيوز) “ابني لا يعرف ألعابا أخرى، وتسليه لعبة العنف والقتال مع أصدقائه” مبيناً بالقول “اعتقد انها حالة وقتية لن تؤثر على شخصية هشام في المستقبل”، ويتساءل “إذا كان استخدام هذه الالعاب خطأ، ويؤثر على شخصية الأطفال، فلماذا لا يتم منع استيرادها ودخولها الى البلاد من قبل الجهات المختصة”؟، وقد منعت بعض مجالس المحافظات، دخول الألعاب البلاستيكية التي تحرض على العنف مثل ديالى والقادسية والموصل، لكنها لم تستطع النجاح لان البضائع تدخل كما يقال من كل حدب وصوب، ويقول صاحب محل في منطقة بغداد الجديدة شرقي العاصمة، عباس طعمة لـ(آكانيوز) “نحن لسنا السبب في انتشار هذه اللعب وإنما السبب هو الرقابة الصحية والتجار الموردين لها” متابعاً بالقول “تتراوح أسعار هذه الألعاب بين إلفي دينار و20 ألف دينار عراقي، وهي بطبيعتها ألعاب مؤذية خاصة على العين”.

وأوضح بالقول “باعتقادي الشخصي ان هذه الأسلحة ليست طبيعية، ومن الضروري منع دخولها عبر المنافذ الحدودية” مبيناً “أبيع في الأيام العادية ثماني قطع من الألعاب النارية، لكن في أيام الأعياد والعطل تصل إلى 25 قطعة”، بدوره، يفيد الباحث في علم الاجتماع، والتدريسي في جامعة بغداد كلية آلاداب غني حكمت لـ(آكانيوز) ان “استمرار دخول هذه الأسلحة يعني استمرار توفير مناخات العنف في العراق”، منوها ان “أطفال العراق الأكثرعنفاً في المنطقة  استنادا لاحصائيات دقيقة قام بها مركز البحث الاجتماعي العربي”، وأوضح “اشك في أن تكون الحكومة عاجزة عن منع دخول هذه ألعاب إلى العراق، إلا أنها لا تهتم بالآثار السلبية التي يسببها استخدام الأسلحة البلاستيكية”، وتابع ان “أحداث العنف التي شهدها العراق والتأثر بأبطال المسلسلات المدبلجة والأفلام الأجنبية، العوامل الأكثر مساهمة في انتشار هذه الألعاب واستخدامها بين شريحة الأطفال”، وتقول وزارة الصحة أنها قررت منع دخول هذه الأسلحة إلى المدن مع مناسبة عيد الأضحى المقبل، فيما اكد مدير الرقابة الصحية في الوزارة علي الساعدي لـ(آكانيوز) ان ” وزارة الصحة لديها فرق صحية تمنع تداول هذه الألعاب بين الأطفال”، وخلص بالقول “لن نسمح خلال العيد المقبل بتداول هذه الألعاب لأنها تسبب أضراراً خطرة على عيون الأطفال وتشوه وجوههم وقد أصيب 900 طفل منذ عام 2010 اثناء ممارستهم اللعب.

Share This Post

Posted by on 5:39 م. Filed under أخبار العراق. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0. Both comments and pings are currently closed.

You must be logged in to post a comment Login