المقدمة: النار كسؤالٍ أنطولوجي
في عتمةِ التاريخ، حيثُ تُختَزلُ الشعوبُ إلى أرقامٍ في سجلاتِ المنتصرين، تَبرُزُ نيرانُ نورۆز من قممِ جبال كوردستان كاستعارةٍ ميتافيزيقية. ليست الشُعلةُ هنا طقسًا فولكلوريًا، بل هي «احتجاجٌ وجودي» على سؤالٍ مركزي: كيف يُعقلُ أن يبقى شعبٌ حيًا تحت وطأةِ مشروعٍ تاريخيٍ يهدفُ إلى إبادتهِ ثقافيًا؟
نورۆز (اليوم الجديد أو بداية السنة الكوردستانية الجديدة) — الذي يُحييه الكورد في 21 آذار/مارس — ليس حدثًا زمنيًا مرتبطًا بالاعتدال الربيعي فحسب، بل هو تجلٍّ لفكرة البقاء في فلسفةٍ ترى أنَّ الثورةَ ضربٌ من ضروبِ التأويلِ الجَماعي للوجود. النارُ هنا تُضيءُ تناقضًا جَدَليًا: تُحرقُ ذاكرةَ القهرِ لتُخصبَ تربةَ المستقبل.
الفصل الأول: التاريخ كساحةِ صراعٍ على المعنى
1.1 الأسطورة والتأسيس الرمزي
ترتبط نورۆز في الميثولوجيا الكوردية بأسطورة «كاوا الحداد»، الثائر الذي أطاح بالطاغية زوحاك (آژيدهاك)، مُعلنًا تحرير الإنسانية من الاستبداد. هذه الرواية — وإن تشابهت مع حكاياتِ الشرق القديم — تحوّلت في الوعي الجَماعي الكوردي إلى نموذجٍ أركيتيبالي (Jung, 1968) للمقاومة، حيثُ الحدادُ (صانعُ الأدوات) يتحول إلى مُنقذٍ (صانعُ التاريخ).
لكنَّ الأنظمةَ التي ورثتْ تركةَ الإمبراطوريات (العثمانية، الصفوية، الاستعمارية) عملت على تزييف الأسطورة:
- في تركيا: أُعيدت كتابةُ الأسطورة في مناهج التعليم تحت اسم «نيروز التركي»، كجزءٍ من مشروعِ تُركية الهوية (Çağaptay, 2006).
- في إيران: جُردت النارُ من دلالاتها التحررية، وصُورت كطقسٍ زرادشتيٍ منفصلٍ عن السياق الكوردي.
1.2 التطهير العرقي كاستراتيجية دولة
منذ معاهدة لوزان (1923) — التي شطبت مصطلح «كوردستان» من الخرائط — تحول الكورد إلى أقليةٍ ممنوعةٍ من التسمية (Agamben, 1998). أظهرت سياساتُ القرن العشرين نمطًا متكررًا:
- 1915–1923: تطهيرٌ عرقيٌ مُوازٍ للإبادة الأرمنية.
- 1988: حملة الأنفال في العراق — إبادةٌ منهجيةٌ لـ182 ألف كوردي.
- 2018: احتلالُ عفرين السورية من قبل ميليشياتٍ مواليةٍ للنظام، كتكرارٍ لسيناريو «التطهير الديموغرافي».
الفصل الثاني: الأدب كفضاءٍ للمقاومة الهرمينوطيقية
2.1 الكتابةُ كفعلٍ تأويلي
تحوّل نورۆز في الأدب الكوردي إلى نصٍ مفتوحٍ يُعاد كتابتهُ في كل عصر. في ملحمة «مم وزين» (أحمد خاني، القرن 17)، يظهر الربيعُ كاستعارةٍ للخلاص من سجنِ الهوية المُفروض من الخارج:
«الحبُّ هنا ليس لقاءَ عاشقين، بل حوارٌ بين الأرضِ المُقيَّدة وإرادةِ التحرر.»
أما شعرُ جكرخوين (1903–1984)، فيُعيدُ إنتاجَ الأسطورة بلغةٍ تفكك خطابَ الدولة القومية:
«نورۆزُنا وشمٌ على جبينِ الزمن… يُذكِّرُ الجلادَ أنَّ دمنا يكتبُ تاريخًا لا يقرأه.»
2.2 جسدُ النصِ وسياسةُ الجسد
في سجونِ ديار بكر التركية، حيثُ يُمنعُ السجناءُ الكورد من تعلُّمِ لغتهم، تتحول الكتابةُ إلى مقاومةٍ جسدية: حسين أركوج يَخيطُ قصائدَهُ على أقمصة السجناءِ بدمِ الأصابع، و«سعاد عارف» في رواية «أمّي تُشعل النار» تُحوِّلُ الشمعةَ إلى استعارةٍ للذاكرةِ التي تذوبُ بها قضبانُ النسيان.
الفصل الثالث: فلسفةُ النارِ بين نيتشه وداريدا
3.1 الزمنُ الدائريُّ كفعلٍ إرادي
على عكسِ التصورِ الهيغلي للتاريخ كمسارٍ خطي، يُقدّم نورۆز مفهومًا سايكلوجيًا للزمن (Eliade, 1954)، حيثُ الربيعُ يعودُ لا كحتميةٍ طبيعية، بل كفعلٍ تأسيسي يُعيدُ إنتاجَ الهوية. النارُ هنا تُشبهُ فكرةَ «العود الأبدي» عند نيتشه (1883):
«ما يُعطي الحياةَ معنىً هو أن تُعيدَ صنعهَا رغمَ عبثيةِ العالم.»
3.2 النارُ كـ«اختلاف» في مواجهةِ المركزية
بحسبِ دريدا (1967)، فإنَّ الهيمنةَ تُمارسُ عبرَ محوِ «الاختلاف». الأنظمةُ التي حرّمت نورۆز حاولت إنكارَ الهُوية الكوردية كـ«آخر» يهددُ مركزيةَ العرقِ المهيمن (تركي، عربي، فارسي). لكنَّ النارَ — كرمزٍ متجاوزٍ للغة — تتحول إلى نصٍّ مقاومٍ للتفكيك:
«النارُ لا تحتاجُ إلى ترجمة… لهيبُها يحرقُ أسئلةَ المُستعمِر: لماذا ترفضون الموت؟»
الفصل الرابع: السياسةُ كاستمرارٍ للحربِ بالوسائل الأخرى
4.1 من التتريك إلى الهاشتاغ
- مرحلةُ القمع المادي (1923–1990): منعُ الاحتفال، إعدامُ المغنيين، حرقُ الكتب.
- مرحلةُ القمع الافتراضي (ما بعد 2000): حجبُ مواقعِ التواصل، تشويهُ السردية عبرَ «الترندات» المضادة.
- المقاومةُ الرقمية: هاشتاغ #نورۆز_أبدي — حيثُ تُعاد كتابةُ الذاكرةِ بلغةِ الميمات والصور الرمزية.
4.2 الاقتصادُ السياسي للهوية
تحوّل نورۆز إلى «عَلامةٍ ثقافيةٍ» تُديرها الدولةُ الكورديةُ الناشئةُ في إقليم كوردستان العراق كجزءٍ من «دبلوماسيةِ الهُوية» (Van Bruinessen, 2000). في المقابل، تستخدمُ الأنظمةُ المضادةُ التجويعَ الممنهج (مثل حجب 17% من ميزانية الإقليم) كسلاحٍ لإخضاعِ الرمز.
الخاتمة: النارُ كـ«ما بعد حداثةٍ» شرقية
نورۆز ليس احتفالًا، بل تكتيكٌ ثقافي (de Certeau, 1984) لاختراقِ خطابِ الهيمنة. النارُ — بوصفها علامةً متجاوزةً للثقافةِ المادية — تُشكّلُ فضاءً لما بعد الدولة (Post-Nation)، حيثُ الهويةُ تُبنى خارجَ حدودِ الجغرافيا السياسية.
«المقاومةُ الحقيقيةُ هي أن تعيشَ كما لو أنكَ حرٌ في عالمٍ يرفضُ حريتك.» — أدورنو (1951)
الكوردُ — بإشعالهم النارَ كلَّ عامٍ — يمارسونَ ديالكتيكًا غائيًا: يرفضونَ أن يكونوا مجردَ حُطامٍ في تاريخِ الآخرين، ويختارونَ أن يُعيدوا تأسيسَ الزمنِ كضربٍ من ضروبِ المُتخيَّلِ الجَماعي.
المشهد الأسطوري: أطفالٌ ينسجون الوطنَ من لهيبِ الجبال
في ليلةِ الاعتدالِ الربيعي، حيثُ تُنثرُ النجومُ فوقَ الجبالِ حكاياتِ الأجداد، تخرجُ ذاكرةُ كوردستانَ من سُباتها:
- في شقلاوة، يتسلقُ أطفالُ عشيرةِ خوشناو جبلَ سَفين، حاملين حزمَ الحطبِ من غاباتِ زاخو، بينما تُرددُ الأرضُ اسمَ شيخ محمود البرزنجي، الذي حوَّلَ السحرَ إلى قضيةٍ وطنية.
- في حلبجة، تصعدُ طفلةٌ من عشيرةِ بابان إلى قمةِ جبل كويزة، تحملُ غصنَ زيتونٍ من بستانِ جدِّها مهاباد، وكأنَّ دماءَ شهداءِ الغازِ الكيميائيِّ تُنبتُ زهرًا في ترابِ الجبل.
- من هەولێر، ينطلقُ أطفالُ عشيرةِ دةشتي نحو قلعة هەولێر، حاملين شعلةً من نارِ أحمد خاني، الفيلسوفِ الذي حَوَّلَ الحروفَ إلى سِلاحٍ.
- في دهوك يتسلقُ توأمانِ من عشيرةِ برواري جبل بامرني بينما يهمسانِ بأبياتِ بيرمێرد، شاعرِ الثورةِ الذي رفضَ الانحناء.
عبرَ الحدودِ المُزيَّفة، ينسجُ الأطفالُ خريطةَ الوطنِ بلغةِ النار:
- على سفوحِ جبل أرارات في ئامەد (ديار بكر)، يحملُ طفلٌ من عشيرةِ زازا حطبًا من غابةٍ أخفى فيها سعيد بيران أرشيفَ ثورةِ آكري (1927).
- في مەردين (ماردين)، تُنظّمُ طفلاتُ عشيرةِ ميلان رقصةً دائرةً حول النارِ على قمةِ جبل جودي، تَذكُرُ قصائدَ دڵدار التي حوَّلتْ دموعَ اليتمِ إلى كلماتٍ.
- في الشرق، يصعدُ أطفالُ مەهاباد من عشيرةِ مُوکرياني إلى جبل شاخو، حاملين شعلةً منقوشةً باسمِ قاضي محمد، شهيدِ الجمهوريةِ الأولى (1946).
- في غربِ كوردستان، يختالُ طفلٌ من عشيرةِ ميران في قاميشلۆ (قامشلي) فوقَ جبل عبدالعزيز، حاملًا جمرةً من نارِ أرين ميركان، التي حوَّلتْ رصاصَ داعشِ إلى قصيدةٍ.
الخاتمة الفلسفية: النارُ كـ«ميتافيزيقا المقاومة»
عندَ منتصفِ الليلِ، تُقرعُ الطبولُ في كلِّ جبالِ كوردستانَ كإيقاعٍ كونيٍّ: تهتفُ دهوك باسمِ شيخ محمود الحفيد، تُجيبُ كوباني بصوتِ أرين ميركان، تَئِنُّ شنكال بأناشيدِ أڤا شەخو.
في السماءِ، تتصاعدُ أرواحُ شهداءِ حلبجة والأنفالِ وكوباني، تَمتزجُ مع أطيافِ الآلهةِ الكورديةِ القديمةِ — ميتاني إلهةِ الخصب، وزيرفان رمزِ الزمنِ المطلق — لِتَصنعَ سماءً سِحريَّةً تُذكِّرُ العالمَ بأنَّ كوردستانَ وعدٌ إلهيٌّ لم يُنقَضْ.
نوروزُ هنا ليس عيدًا، بل لحظةُ ولادةِ الذاتِ الجمعية:
- النارُ: استعارةٌ للوجودِ في مواجهةِ العدمِ.
- الجبالُ: مكتباتٌ تحفظُ أسرارَ الأجدادِ.
- الأطفالُ: حراسُ الذاكرةِ الذين يُعيدونَ صياغةَ الوطنِ من رمادِ التاريخ.
كوردستانُ… ليست حدودًا على الخريطة، بل فلسفةٌ للمقاومةِ: سؤالٌ عن كيفيةِ خلقِ الجمالِ في قلبِ الدمارِ، وإجابةٌ تُكتَبُ بلغةِ النارِ التي لا تنطفئ.